السيد الطباطبائي

114

بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )

ومعلولها سنخيّة ذاتيّة ليست بين الواحد منهما وغير الآخر ، وإلّا جاز كون كلّ شيء علّة لكلّ شيء وكلّ شيء معلولا لكلّ شيء ، ففي العلّة جهة مسانخة لمعلولها ، هي المخصّصة لصدوره عنها ؛ فلو صدرت عن العلّة الواحدة - وهي التي ليست لها في ذاتها إلّا جهة واحدة - معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة إلى جهة واحدة بوجه من الوجوه ، لزمه تقرّر جهات كثيرة في ذاتها وهي ذات جهة واحدة ، وهذا محال 1 . ويتبيّن بذلك : أنّ ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير ، فإنّ في ذاته جهة كثرة 2 . ويتبيّن أيضا : أنّ العلل الكثيرة لا تتوارد على معلول واحد 3 . الفصل الخامس في استحالة الدور والتسلسل في العلل أمّا استحالة الدور - وهو توقّف وجود الشيء على ما يتوقّف عليه وجوده ؛ إمّا بلا واسطة ، وهو « الدور المصرّح » وإمّا بواسطة أو أكثر ، وهو « الدور المضمر » - ، فلأنّه يستلزم توقّف وجود الشيء على نفسه ، ولازمه تقدّم الشيء

--> - تفصيل ما قالوا أساطين الحكمة في الردّ على شبهات الرازيّ ، فراجع الأسفار 2 : 204 - 212 ، و 7 : 192 - 244 ، والقبسات : 351 - 367 ، وشوارق الإلهام : 207 - 208 . ( 1 ) هذا البيان جامع لأكثر البراهين . وادّعى بعض المحقّقين بداهة المسألة ، كما قال المحقّق اللاهيجيّ في شوارق الإلهام : 210 : « فالحقّ ما ذكره الشارح القديم من أنّ الحكم بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد بديهيّ لا يتوقّف إلّا على تصوّر طرفيه » . وقال المحقّق الطوسيّ في شرح الإشارات 3 : 122 : « وكان هذا الحكم قريبا من الوضوح » . ( 2 ) لأنّ الكثير من حيث هو كثير لا يناسب الواحد من حيث هو واحد ، فالكثير من حيث هو كثير لا يكون إثرا للواحد بما هو واحد ، والّا لزم أن يكون الواحد من حيث هو واحد كثيرا ، وهذا ضروريّ البطلان . ( 3 ) والوجه في ذلك أنّه لو كان كلّ واحدة من العلل علّة مستقّلّة لذلك المعلول الواحد ، لزم احتياج المعلول الواحد إلى كلّ واحدة منها ، لكونها علّة له ، ولزم استغناء ذلك المعلول عن كلّ واحدة منها لكون الأخرى مستقلّة في علّيّته ، وهو محال للزوم اجتماع النقيضين .